السويد تُفسد عودة الملك: هاجي يبدأ ولايته الثانية بدرس أوروبي قاسٍ في ستوكهولم

إيساك وغيوكيريس يحسمان افتتاح دوري الأمم (2-1)، ومان يصنع هدف الكبرياء، والتفاصيل الصغيرة تكتب الفارق الكبير

لم يكن مساء ستوكهولم مجرد مباراة افتتاحية في دوري الأمم الأوروبية. كان عودة جورجي هاجي إلى مقعد المدير الفني لرومانيا في أول مباراة رسمية من ولايته الجديدة. كان لاعباً بقامة الأسطورة يعود مدرباً ويحمل وعداً برفع السقف، وقال قبل صافرة البداية: "نحن على مستوى أوروبي، وعلينا أن نرفع معاييرنا". جاء رد الملعب سريعاً وصريحاً: المعايير الأوروبية لا تُعلن في المؤتمرات الصحفية، بل تُدفع ثمناً في الدقائق التي يغفو فيها الدفاع.

فازت السويد 2-1 على ملعب ستروبري أرينا، في الجولة الأولى من المجموعة الرابعة للمستوى B. الفارق هدف واحد، لكنه يختصر المسافة بين منتخب يملك من يحسم ومنتخب ما زال يبحث عنه.

بداية بلا خوف... وحظ عاند مونتيانو

دخلت رومانيا المباراة بجرأة لا تشبه ضيفاً يلعب أمام خمسة وثلاثين ألف متفرج. اعتمد هاجي خطة 3-4-1-2 ومنح ابنه يانيس شارة القيادة وحرية الحركة خلف الثنائي دينيس مان ولويس مونتيانو. في الدقيقة 14 ارتقى مونتيانو لعرضية راتسيو برأسية طائرة مرت على بُعد سنتيمترات من القائم. وبعد دقيقتين ارتطمت تسديدته البعيدة بالقائم، لكن الراية كانت قد ارتفعت بداعي التسلل.

كانت هذه اللحظات إعلاناً بأن رومانيا جاءت لتلعب لا لتحتمي. لكن الكرة الأوروبية لا تكافئ النوايا.

إيساك: الضربة الأولى من خارج السياق

في الدقيقة 20 مرّت كرة واحدة عبر الخط الخلفي الروماني، وكانت كافية لألكسندر إيساك. لم يحتج المهاجم السويدي إلى أكثر من لمسة وقرار، فوضعها في الزاوية البعيدة لإيان رادو. هذه هي الجملة التي تفصل المستوى النخبوي عمّا دونه: فرصة واحدة تُنهى، مقابل فرصتين ضاعتا في الطرف الآخر.

دينيس مان: هدف يشبه ما يريده هاجي

لم تنكسر رومانيا. في الدقيقة 29 جاء أجمل ما في المباراة: هجمة انطلقت من قدمي يانيس هاجي في وسط الملعب، ومرت بسلاسة بين الخطوط حتى أرسلها راتسيو إلى دينيس مان الذي أدرك التعادل. كان هدفاً يلخص الفلسفة التي يبشّر بها الملك: تمرير سريع وجرأة في العمق وتحويل الاستحواذ إلى خطورة. للحظات بدا أن ستوكهولم قد تشهد بداية مشروع لا مجرد ظهور أول.

غيوكيريس: عقوبة الدقيقة 43

قبل الاستراحة بدقيقتين تحرر فيكتور غيوكيريس من رقابته، ووصل رادو دراغوشين متأخراً بخطوة وهو يحاول الإبعاد عن خط المرمى. هذا الهدف تحديداً هو ما سيؤرق هاجي، فهو ليس خطأً تكتيكياً بقدر ما هو خطأ في التركيز، في التوقيت الذي يُعاقَب فيه التراخي بأقسى صوره.

وجد الدفاع الروماني نفسه أمام ثنائي هجومي بُنيت عليه صفقات بمئات الملايين. والمشكلة لم تكن في جودة إيساك وغيوكيريس، فهي معروفة سلفاً، بل في أن الخط الخلفي منحهما ما لا يحتاجه مهاجمان من هذا الطراز: المساحة والوقت.

الشوط الثاني: الفار ينقذ، والحماسة لا تكفي

في الدقيقة 55 احتفل إليوت ستراود بهدف ثالث بدا أنه سيُغلق المباراة، قبل أن تكشف تقنية الفيديو لمسة يد على إيساك في بناء اللعبة فيُلغى الهدف. أبقت تلك اللحظة رومانيا على قيد الحياة حسابياً، لكنها لم تمنحها ما يكفي من الأدوات. دفع هاجي بتغييرات هجومية، وخرج يانيس ومونتيانو، وتكدست البطاقات الصفراء (خمس بطاقات للاعبي رومانيا)، وهذه علامة على منتخب يطارد المباراة بقلبه أكثر مما يديرها بعقله.

القراءة الأخيرة: هزيمة تحمل بذور شيء ما

من الظلم أن تُقرأ هذه النتيجة كفشل. خسرت رومانيا خارج أرضها أمام منتخب يملك واحداً من أقوى الخطوط الهجومية في القارة، وصنعت فرصاً حقيقية، وسجلت هدفاً من طراز رفيع. لكن من الوهم أيضاً أن تُقرأ كمجرد سوء حظ. الفارق كان في منطقتي الجزاء: السويد حوّلت فرصتين إلى هدفين، ورومانيا أهدرت ما كان يكفي لقلب القصة.

الاختبار التالي أمام البوسنة والهرسك في بوخارست، وهناك لن يكون للخطاب مكان. يعرف هاجي أكثر من غيره أن الأساطير تُصنع بالنتائج، وأن الجمهور الروماني الذي انتظر عودته يريد أن يرى الملك يحكم، لا أن يَعِد فقط.


د. طلال عثمان، المدير العام — GCC Sport